أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

120

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته . وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنه لا أب له ، قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له ، قالوا : فإنه كان يحيي الموتى ، قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر ، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف . قالوا : فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم خرج سالما » . قوله : مِنْ تُرابٍ فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلّق ب « خَلَقَهُ » أي : ابتداء خلقه من هذا الجنس . والثاني : أنه حال من مفعول « خَلَقَهُ » تقديره . خلقه كائنا من تراب ، وهذا لا يساعده المعنى . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 60 إلى 61 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ : يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة برأسها ، والمعنى : أنّ الحقّ الثابت الذي لا يضمحل هو من ربك ، ومن جملة ما جاء من ربك قصة عيسى وأمّه فهي حق ثابت ، ويجوز أن « الْحَقُّ » خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو ، أي : ما قصصنا عليك من خبر عيسى وأمه . و « مِنْ رَبِّكَ » على هذا فيه وجهان : أحدهما : أنه حال فيتعلق بمحذوف . الثاني : أنه خبر ثان عند من يجوّز ذلك ، وتقدّم نظير هذه الجملة في البقرة « 1 » والنهي له عليه السّلام عن الامتراء ، ولم يكن ممتريا ، « وهذا » من الإلهاب والتهييج على الثبات على ما هو عليه من الحق ، أو لأنّ المراد به غيره . قوله تعالى : فَمَنْ حَاجَّكَ : يجوز في « من » وجهان : أحدهما : أن تكون شرطية وهو الظاهر أي : إن حاجّك أحد فقل له : كيت وكيت . ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وإنما دخلت الفاء في الخبر لتضمّنه معنى الشرط . والمحاجّة مفاعلة وهي من اثنين ، وكان الأمر كذلك . قوله : فِيهِ متعلق بحاجّك أي : جادلك في شأنه ، والهاء فيها وجهان : أظهرهما : عودها على عيسى عليه السّلام . والثاني عودها على الحق ، وقد يتأيّد هذا بأنه أقرب مذكور ، إلّا أنّ الأول أظهر لأن عيسى هو المحدّث عنه وهو صاحب القصة . قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ متعلّق بحاجّك أيضا ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، ففاعل « جاءَكَ » ضمير يعود عليها أي : من بعد الذي جاءك هو ، و « مِنَ الْعِلْمِ » حال من فاعل « جاءَكَ » ، ويجوز أن تكون موصولة حرفية ، وحينئذ يقال : يلزم من ذلك خلوّ الفعل من الفاعل ، أو عود الضمير على الحرف ، لأن « جاءَكَ » لا بدّ له من فاعل ، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا « ما » وهي حرفية . والجواب : أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله « مِنَ الْعِلْمِ » و « مِنْ » مزيدة ، أي

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 147 ) .